ابن كثير
15
البداية والنهاية
فسادا ، وقتل خلقا كثيرا ، وتملك بلادا . وفي هذه السنة والتي قبلها استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمدان وخوزستان وغيرها من البلاد ، وقوي جانب الخلافة على الملوك والممالك . وفيها خرج العزيز من مصر قاصدا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل ، وكان الأفضل قد تاب وأناب وأقلع عما كان فيه من الشراب واللهو واللعب ، وأقبل على الصيام والصلاة ، وشرع بكتابة مصحف بيده ، وحسنت طريقته ، غير أن وزيره الضياء الجزري يفسد عليه دولته ، ويكدر عليه صفوته ، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه سار سريعا إلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده فسار معه وسبقه إلى دمشق ، وراح الأفضل أيضا إلى أخيه الظاهر بحلب ، فسارا جميعا نحو دمشق ، فلما سمع العزيز بذلك وقد اقترب من دمشق ، كر راجعا سريعا إلى مصر ، وركب وراءه العادل والأفضل ليأخذا منه مصر ، وقد اتفقا على أن يكون ثلث مصر للعادل وثلثاها للأفضل ، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته ، وأقبل على الأفضل يثبطه ، وأقاما على بلبيس أياما حتى خرج إليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز ، فوقع الصلح على أن يرجع القدس ومعاملتها للأفضل ، ويستقر العادل مقيما بمصر على إقطاعه القديم ، فأقام العادل بها طمعا فيها ورجع العادل إلى دمشق بعد ما خرج العزيز لتوديعه ، وهي هدنة على قذا ، وصلح على دخن . وفيها توفي من الأعيان : علي بن حسان بن سافر أبو الحسن الكاتب البغدادي ، كان أديبا شاعرا . من شعره قوله : نفى رقادي ومضى * برق بسلع ومضا لاح كما سلت يد ال * أسود عضبا أبيضا كأنه الأشهب في * النقع إذا ما ركضا يبدو كما تختلف الريح * على جمر الغضا فتحسب الريح أبدا * نظرا وغمضا ( 1 ) أو شعلة النار علا * لهيبها وانخفضا آه له من بارق * ضاء على ذات الاضا أذكرني عهدا مضى * على الغوير وانقضى فقال لي قلبي أتوصي * حاجة وأعرضا يطلب من أمرضه * فديت ذاك الممرضا
--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وفي البيت اضطراب واضح .